السيد عبد الأعلى السبزواري
279
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
لِلْمُتَّقِينَ . النكال : بمعنى المنع ، وتسمى العقوبة نكالا لأنها تمنع النّاس عن ارتكاب ما يوجبها . والمراد بما بين يديها الأقوام المحاذون لها الذين لم يعاقبوا بعقوبتهم . وما خلفها الأمم اللاحقة لهم . والوعظ التخويف بكل ما يفعل اللّه تعالى بالعصاة . وإنما خص اللّه تعالى المتقين إما لأجل أنهم يعلمون بأن اللّه لا يفعل ذلك إلّا مع الحكمة والاستحقاق . أو لأجل أن الموعظة تزيدهم بصيرة وايمانا وتقدم بعض الكلام في قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ سورة البقرة ، الآية : 2 ] . وفي سنخ هذه الآيات تسلية لنبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) عما كان يقاسيه من رذائل أخلاق أمته في زمان حياته وما يعانيه بعد ارتحاله فإنه ( صلّى اللّه عليه وآله ) شاهد يعلم بما يجري في أمته ، وحكم هذه الآية عام فإنها تشتمل على ترتب سخط اللّه تعالى بمخالفته في الدنيا ، وحصول المسخ وتعقيب ذلك بالنكال والموعظة ، ففيها دلالة واضحة على تعميم الحكم لجميع الأزمان والأمم ولا تختص بأمة دون أخرى ، لما ذكرنا غير مرة أن المورد لا يكون مخصصا . نعم إنّ اللّه تعالى قد يمهل لمصالح كثيرة ولكنه لا يهمل ، ومسخ الصورة وإن لم يكن له موضوع في أمة خاتم النبيين ( صلّى اللّه عليه وآله ) إجلالا له ( صلّى اللّه عليه وآله ) ولكن حكم مسخ القلوب ممكن بحسب الأخبار الكثيرة والبراهين العقلية ، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء اللّه تعالى . ثم إن بعض المفسرين استدل بهذه الآية المباركة على عدم جواز الحيلة في الأحكام الشرعية الإلهية مطلقا ، لأن اليهود إنما استحقوا هذه العقوبة لأجل احتيالهم في الحكم الإلهي . والمناقشة في هذا الاستدلال واضحة ، لأن معنى الحيلة الشرعية : اجتهاد الفقهاء في إخراج الموضوع المحرم عن انطباق عنوان الحرام عليه إما تخصيصا أو تخصصا إلى عنوان محلل يدل على حليته الدليل الشرعي ، وهذا معنى قول أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) : « نعمت الحيلة الفرار من الحرام إلى الحلال » وقول الصادق ( عليه السلام ) : « ما أعاد الصلاة قط فقيه يحتال فيها ويدبرها حتّى يصححها » وذكرنا تفصيل البحث في موارد من الفقه .